الشيخ محمد مكي نصر الجريسي

123

نهاية القول المفيد في علم تجويد القرآن

وبالجملة إن الميم والباء يخرجان بانطباق الشفتين ، والباء أدخل وأقوى انطباقا كما سبق في بيان المخارج ، فتلفظ بالميم في نحو أَنْ بُورِكَ [ النّمل : الآية 8 ] بغنّة ظاهرة وبتقليل انطباق الشفتين جدّا ، ثم تلفظ بالباء قبل فتح الشفتين بتقوية انطباقهما ، وتجعل المنطبق من الشفتين في الباء أدخل من المنطبق في الميم ؛ فزمان انطباقهما في أَنْ بُورِكَ [ النّمل : الآية 8 ] أطول من زمان انطباقهما في الباء لأجل الغنة الظاهرة حينئذ في الميم ؛ إذ الغنة الظاهرة يتوقف تلفظها على امتداد ، ولو تلفظت بإظهار الميم هنا لكان زمان انطباقهما فيه كزمان انطباقهما في الباء ؛ لإخفاء الغنة حينئذ ، ويقوى انطباقهما في إظهار الميم فوق انطباقهما في إخفائه لكن دون قوة انطباقهما في الباء ؛ إذ لا غنة في الباء أصلا بخلاف الميم الظاهرة فإنها لا تخلو عن أصل الغنة وإن كانت خفية ، والغنة تورث الاعتماد ضعفا . ووجه قلبهما ميما عند الباء أنه لم يحسن الإظهار لما فيه من الكلفة من أجل الاحتياج إلى إخراج النون والتنوين من مخرجهما على ما يجب لهما من التصويت بالغنة ، فيحتاج الناطق بهما إلى فتور يشبه الوقف ، وإخراج الباء بعدهما من مخرجها يمنع من التصويت بالغنة من أجل انطباق الشفتين بها أي بالباء ، ولم يحسن الإدغام للتباعد في المخرج والمخالفة في الجنسية ؛ حيث كانت النون حرفا أغنّ ، وكذلك التنوين ، والباء حرف غير أغنّ ، وإذا لم تدغم الميم في الباء لذهاب غنتها بالإدغام مع كونها من مخرجها فترك إدغام النون فيها مع أنها ليست من مخرجها أولى ، ولم يحسن الإخفاء كما لم يحسن الإظهار والإدغام ؛ لأنه بينهما ، ولمّا لم يحسن وجه من هذه الأوجه أبدل من النون والتنوين حرف يؤاخيهما في الغنة والجهر ، ويؤاخي الباء في المخرج والجهر ؛ وهو الميم ، فأمنت الكلفة الحاصلة من إظهار النون قبل الباء [ اه . شرح التحفة للميهي ] . وفي شرح الملّا علي : وجه القلب عسر الإتيان بالغنة في النون والتنوين مع إظهارهما ، ثم إطباق الشفتين لأجل الباء ، ولم يدغم لاختلاف نوع المخرج وقلة التناسب ، فتعيّن الإخفاء ، وتوصّل إليه بالقلب ميما لتشارك الباء مخرجا والنون غنّة اه . وليحترز القارئ عند التلفظ به من كزّ الشفتين على الميم المقلوبة في اللفظ ؛ لئلا يتولد من كزّهما غنّة من الخيشوم ممطّطة فليسكن الميم بتلطّف من غير ثقل ولا تعسف . الحال الرابع : الإخفاء : ومعناه لغة : الستر يقال : اختفى الرجل عن أعين الناس بمعنى استتر عنهم . واصطلاحا : النطق بحرف ساكن عار أي خال من التشديد على صفة بين الإظهار